محمد رأفت فرج يكتب: بين الجلابية والمستندات.. رد المحافظ يثير عاصفة من علامات الاستفهام

لم يكن خروج محافظ القليوبية للرد على واقعة مدير المدرسة ومديرتها كافيًا لإغلاق باب الجدل، بل بدا أن التصريحات الجديدة فتحت أبوابًا أخرى من الأسئلة، وربما جعلت القضية أكثر إلحاحًا من ذي قبل، فحين يخرج المسؤول الأول في المحافظة للحديث عن الواقعة، يصبح من حق الرأي العام أن يتوقف أمام كل كلمة، وأن يسأل عن مدى اتساقها مع الوقائع التي ظهرت أمام الجميع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمدرسة وقيادات تعليمية ومسؤوليات إدارية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد معركة تصريحات.
يقول المحافظ إن مديرة المدرسة لم تقدم مستندات تثبت أنها أنفقت من مالها الخاص على احتياجات المدرسة، وإن عدم توجيه الشكر إليها لا يعني تجاهل مخاطباتها أو محاولاتها للوصول إلى حلول، مؤكدًا أن تقييم الأداء يجب أن يستند إلى الوقائع والمستندات وليس إلى الانطباعات، وهنا تحديدًا يبدأ السؤال: إذا كانت المديرة قد خاطبت الإدارة التعليمية والجهات المختصة أكثر من مرة، وسعت إلى حل مشكلات مدرستها، فلماذا لا تستحق على الأقل كلمة تقدير على قيامها بدورها وعدم الاكتفاء بالمشاهدة؟
القضية لا تتعلق فقط بمن دفع ومن لم يدفع، وإنما بمن تحرك ومن لم يتحرك، فإذا كانت المديرة قد أرسلت مخاطبات متكررة بشأن احتياجات المدرسة، ولم تجد استجابة كافية من الجهات المختصة، فالسؤال المنطقي هو: أين ذهبت هذه المخاطبات؟ ومن كان مسؤولًا عن التعامل معها؟ ولماذا لم تتحول الاستغاثات إلى إجراءات قبل أن تصل المشكلة إلى الرأي العام؟
هل تعلم يا معالي المحافظ أن بعض المدارس تدبر أمورها من التبرعات الاجبارية، التي تصل إلى آلاف الجنيهات دون شفقة او رحمة بحال أولياء الأمور لمن يريد التحويل او الالتحاق بفصول الخدمات.
هل تعلم أن البعض منهم يلجأ إلى الجمعيات الخيرية لتدبير عجز المدرسين ودفع مكافآت للمتطوعين منهم؟
أما القول إن المديرة لم تقدم ما يثبت أنها دفعت من مالها الخاص، فهو في حد ذاته لا يجيب عن السؤال الأكبر، فالمدرسة احتاجت إلى خدمات واحتياجات، وبعض هذه الاحتياجات تم التعامل معها بالفعل، فكيف تم توفيرها؟ وإذا كانت المديرة قد قامت بما تستطيع في حدود إمكاناتها، فأليس الأولى البحث عن أسباب وصول المدرسة إلى هذه الحالة من الاحتياجات قبل البحث عن إثبات أنها دفعت من جيبها الخاص؟
الأكثر إثارة للأسئلة أن معيار المستندات والوقائع الذي جرى التأكيد عليه في تقييم أداء المديرة يجب أن ينطبق على الجميع، دون استثناء، فإذا كان لا يجوز الحكم على مسؤول إلا بالمستندات، فمن حق الرأي العام أن يعرف أيضًا: ما المستندات والوقائع التي استند إليها قرار إبعاد مدير المدرسة؟ وما الإجراءات التي سبقت القرار؟ وهل خضع الأمر لتحقيق إداري كامل أم أن الجولة الميدانية كانت كافية لاتخاذ قرار بهذه الأهمية؟
لا أحد يطالب بمنح أي مسؤول حصانة من المحاسبة، بل على العكس، المحاسبة ضرورة عندما يثبت التقصير، لكن العدالة الحقيقية تقتضي أن تكون القاعدة واحدة على الجميع، فإذا كان مدير مدرسة أخطأ، فليحاسب، وإذا كانت مديرة مدرسة اجتهدت، فلتُشكر، وإذا قصرت إدارة تعليمية في الاستجابة لمخاطبات المدارس، فيجب أن تتحمل مسؤوليتها أيضًا.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق إجابة واضحة: إذا كانت مديرة المدرسة قد خاطبت الإدارة والجهات المختصة بشأن احتياجات مدرستها، بينما لم تتحرك تلك الجهات بالسرعة المطلوبة، فما الإجراء الذي اتخذ ضد المسؤولين عن عدم الاستجابة؟ هل تمت محاسبة أحد؟ هل جرى فتح تحقيق؟ هل صدرت قرارات بشأن أي مسؤول ثبت تقصيره؟ أم أن دائرة المحاسبة توقفت عند مدير المدرسة وانتهت عنده؟
الرأي العام لا يبحث عن كبش فداء، ولا يريد أن تتحول المدرسة إلى ساحة لتصفية الحسابات الإدارية. ما يريده ببساطة هو معرفة الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات من أولها إلى آخرها، فالخطاب الذي لا تتم الاستجابة له مسؤولية، والشكوى التي تُهمل مسؤولية، والاحتياج الذي يظل دون حل مسؤولية، تمامًا كما أن تقصير مدير المدرسة – إذا ثبت – مسؤولية تستوجب الحساب.
أما العبارة التي قيلت للمديرة خلال الجولة وأثارت غضبًا واسعًا، فهي تستحق التوقف عندها بعيدًا عن أي خلاف إداري، فالمسؤول التنفيذي الأول في المحافظة مطالب بأن تكون لغته على قدر موقعه، خصوصًا عندما يخاطب قيادات تعليمية أمام الطلاب والعاملين والكاميرات، وحتى لو كان هناك تقصير في النظافة أو الأداء، فإن النقد يمكن أن يكون حازمًا دون أن يحمل عبارات قد تمس كرامة من توجه إليه، وكان الاعتذار الواضح عن أي عبارة غير موفقة كفيلًا بإنهاء جانب كبير من الجدل بدلًا من تركه مفتوحًا أمام التأويلات.
والأهم من كل ذلك أن ملف المدارس لا ينبغي أن يبدأ مع أول جولة للمحافظ، فهناك أشهر كاملة قبل بدء الدراسة يمكن خلالها حصر احتياجات المدارس، وتحديد مشكلات المياه والكهرباء والصيانة والنظافة، ووضع جدول زمني للتعامل معها، وتحديد المسؤول عن كل ملف ومحاسبته على النتائج، ولو كانت هناك منظومة متابعة حقيقية تعمل طوال فترة الإجازة، لما اضطر مدير مدرسة إلى الانتظار حتى الجولة الميدانية ليعرض مشكلاته، ولما اضطرت مديرة إلى تكرار المخاطبات بحثًا عن استجابة.
المحافظ ليس دوره أن يكتشف المشكلة فقط، وإنما أن يمنع وقوعها من الأساس، وأن يضمن وجود منظومة إدارية تستجيب لشكاوى المدارس قبل أن تتحول إلى أزمات.
ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يوجه إلى المحافظة لا يقل أهمية عن السؤال الذي يوجه إلى مدير المدرسة: ماذا تم خلال فترة الصيف لحصر احتياجات المدارس؟ وما حجم الأعمال التي جرى تنفيذها؟ ومن المسؤول عن متابعة المدارس التي لم تحصل على احتياجاتها؟ وأين تقارير المتابعة والمحاسبة؟
القضية إذن أكبر من مدير ومديرة ومحافظ، إنها اختبار حقيقي لفكرة الإدارة العادلة التي تقول إن كل مسؤول يتحمل نصيبه من المسؤولية، وأن المحاسبة لا تبدأ من الحلقة الأضعف وتنتهي عندها، فإذا كان المطلوب مستندات لإثبات التقصير، فلتكن المستندات هي الفيصل مع الجميع، وإذا كانت الوقائع هي معيار الحكم، فلتُعرض الوقائع كاملة دون انتقاء.
يا سيادة المحافظ، الناس لا تطلب منك أن تكون معصومًا من الخطأ، ولا أن تتراجع عن محاسبة أي مقصر، لكنها تطلب شيئًا أبسط وأهم: أن يكون معيارك واحدًا، وأن تكون المحاسبة عادلة، وأن يكون الاعتذار حاضرًا عندما تستدعيه الكلمة أو الموقف، وأن تبدأ منظومة الإصلاح من جذور المشكلة لا من آخر شخص ظهر أمام الكاميرا.
فالمواطن لا يريد معركة بين مسؤولين، ولا يريد أن يرى مدير مدرسة يتحمل وحده أخطاء منظومة كاملة، يريد مدرسة صالحة لأبنائه، ومسؤولًا يستمع إلى شكواه، وقيادة تحاسب المقصر وتساند المجتهد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي فرض نفسه بعد تصريحات المحافظ: إذا كانت المحاسبة لا تكون بالانطباعات وإنما بالوقائع والمستندات، فهل سيُطبق هذا المبدأ على الجميع؟ ومن سيحاسب من لم يستجب لمخاطبات المدارس؟
هنا تحديدًا ستكون الإجابة أهم من التصريحات، لأن الناس لا تحاكم المسؤول بكلامه، وإنما بما يفعله بعد أن يتكلم.

