اخبار مصرحول العالممنوعات
حوار العام .. هكذا تحدث الإمام الطيب لـ”صوت الأزهر”

حوار / أحمد الصاوي
حين بلغ الثمانين قال شاكراً: «الحمد لله الذى كفانى بحلاله عن حرامه وأغنانى بفضله عمن سواه»
الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف لـ«صوت الأزهر»:
غاية ما أطمح إليه فيما تبقَّى لى من العمر العونُ من الله لنصرة الضعيف والمظلوم أينما كان وأياً كان دينه أو اعتقاده
لم يتعرض شعب فى التاريخ لمثل ما يتعرض له الشعب الفلسطينى على مدار عقود طويلة وصلت ذروتها لإبادة جماعية شاهدها الجميع على الهواء مباشرة
لا يمكن بأى شكل من أشكال الإنصاف إغفال أهمية الدور المصرى عبر التاريخ فى دعم الشعب الفلسطينى وحقوقه والتمسك بها
الرئيس السيسى اختار إزاء العدوان على غزة الطريق الذى يليق بتاريخ مصر.. والدولة بقيادته تعاملت مع المسألة بـ«شرف بالغ» رغم الضغوط والإغراءات
لولا الموقف المصرى الصلب لكانت القضية الفلسطينية قد تمت تصفيتها تماماً وكذلك تصفية الشعب الفلسطينى وإخراجه من أرضه
علينا مسؤولية الدفاع عن قضية فلسطين.. وهذا موقف أزهرى ثابت لا ولم ولن يتغير حتى يحصل الشعب الفلسطينى على حقوقه الكاملة ويقيم دولته وعاصمتها القدس الشريف
الأمة العربية قادرة – إذا ما اتحدت وخلصت نواياها – على الوصول إلى حل لهذه القضية العادلة وإنقاذ هذا الشعب الأعزل من الفناء
الرئيس السيسى منذ يومه الأول كان همه الأساسى توحيد المصريين جميعاً.. ورأينا منه تقديراً كبيراً ودعماً متواصلاً لدور الأزهر ومكانته
الأزهر توَّج جهده فى تجديد الخطاب الدينى بمؤتمر عالمى برعاية الرئيس تصدى وبوضوح لحسم كل القضايا التى يستند إليها المتطرفون فى بناء منهجهم الضال
من يقولون إن الأزهر عرقل جهود تجديد الخطاب الدينى لم يقرأوا وثائقه المتعددة أو مقرراته الدراسية أو بياناته.. ولم يحضروا مؤتمراته ومنتدياته.. ولم يقرأوا صحيفة «صوت الأزهر»
لا نقدس التراث وإنما نقدره.. والأزهر يرفض كل من ينتظر أن ندير ظهرنا للتراث برُمَّته.. كما نرفض بالقوة ذاتها من يكتفون بالانكفاء عليه والاكتفاء به وإدارة الظهر لمنجزات العصر
تهنئة المسيحيين بالأعياد تنطلق من تعاليم ديننا الحنيف.. وهو تقليد نقوم به كل عيد دون غضاضة أو أى شعور بمخالفة تعاليم الإسلام
المساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات بين المواطنين جميعاً – مهما كانت عقائدهم – أصل فى الإسلام.. ولا يوجد فى القرآن ولا فى السنة النبوية ما يحرِّم بناء الكنائس.. والشريعة تساوى بين الدفاع عن المساجد والدفاع عن الكنائس ومعابد اليهود بالقدر نفسه
لسنا وحدنا فى هذا العالم.. والعلاقة بين الأمم والشعوب أساسها التعارف والتعاون وليس الصراع أو حمل الناس على الإسلام بالقوة أو الإساءة إلى أديانهم وعقائدهم
نعرف الفارق الكبير بين اليهودية كديانة سماوية وبين الصهيونية كحركة استيطان واحتلال عنصرية.. ونحرص دائماً على أن يكون خطابنا الدينى والعام مؤكداً هذه الفوارق ومُنبهاً عليها
لا يُعرف للأزهر ولا للمصريين قاطبةً أى موقف سلبى من اليهود.. فقد عاشوا بيننا فى سلام وأمان حتى ظهرت الحركة الصهيونية وأفسدت منطقتنا وزرعت الكراهية والحقد
الشيعة إخوة.. ولا يحتاجون إلى وثائق لتأكيد كونهم جزءاً عزيزاً من الأمة الإسلامية.. وأطلقنا «نداء أهل القبلة» لتعزيز وحدة عُلمائية فى الأمة الإسلامية
أعداء الأمة هم المستفيدون من أى شقاق بين الدول العربية.. ونعول كثيراً على حكمة الإخوة من القادة العرب وعلى الحكمة المصرية فى رأب الصدوع
خلال عامنا الجديد هذا نتطلع إلى تكرم الرئيس السيسى بافتتاح مكتبة الأزهر مع أخيه الشيخ محمد بن زايد الذى تكرم ودعم بناء المكتبة مشكوراً ومأجوراً
الرئيس السيسى وافق مشكوراً على رعاية مؤتمر الحوار الإسلامى – الإسلامى فى نسخته الجديدة المقرر انعقادها بالقاهرة فى إبريل المقبل
نثق فى إخلاص الرئيس السيسى للوطن ورغبته فى تحقيق الأفضل.. ونتابع جهداً كبيراً تبذله الحكومة وسائر المؤسسات.. والدولة لديها فرصة للحوار بين المختصين والخبراء لتحديد المشكلات وتقييمها والتكاتف للإسهام فى التصدى لحلها
وثيقة الأخوة الإنسانية هى الوثيقة الأهم فى التاريخ الإنسانى الحديث باعتراف الأمم المتحدة التى اعتمدت يوم توقيعها يوماً دولياً للأخوة الإنسانية
أخى الراحل البابا فرنسيس كان رجل دين حقيقياً وامتلك طاقة تسامح كبيرة.. وبهذه الطباع الشخصية نجحنا فى بناء صداقة وأخوة حقيقية
استقبل البابا «ليو» منذ بدء حبريته ابننا القاضى محمد عبد السلام ممثلاً عن شيخ الأزهر ومجلس حكماء المسلمين عدة مرات.. وهناك ترتيبات تجرى للقاءات قريبة مع قداسته
علاقاتنا بجميع قادة وزعماء الأديان فى العالم جيدة جداً.. ولا تقتصر على الكاثوليك.. ولدينا مبادرات مشتركة مع رئيس أساقفة كانتربرى وبطريرك القسطنطينية للكنيسة المسكونية والكنيسة الروسية
لدينا علاقة وطيدة مع أخى الحبيب البابا تواضروس بابا الإسكندرية وسائر زعماء الطوائف المسيحية فى مصر.. وجمعَنا «بيت العائلة» قبل أكثر من 15 عاماً بوصفه مؤسسة صارت نموذجاً يحتذى
أبواب الأزهر مفتوحة للمثقفين ولم توصد فى وجه أحد.. لكن هناك من يرغبون دائماً فى إثارة الجدل بصرف النظر عن منهج أى حوار وجديته
نستفيد من كل المفكرين الجادين فى تخصصاتهم مهما اختلفوا معنا.. لأنهم ينطلقون من اعتراف وتقدير واضح لدور الأزهر.. لكن كيف نحاور أناساً يقولون: «هذا الأزهر لا قيمة له ويجب ألا يكون له أى دور»!
ليس لدينا خطابان للداخل والخارج.. هذه مزاعم يبطلها الواقع العملى.. ووسائل الاتصالات الحديثة ما عادت تسمح بأى خطاب مزدوج
الأخوَّة الإنسانية لا تعنى مطلقاً الدعوة إلى إدماج الأديان فى دين واحد.. فمثل هذا النداء لا يقول به عاقل ولا يقبله مؤمن أياً كان دينه
سألناه: هل أعاق موقفك الداعم للقضية الفلسطينية والمناهض للصهيونية والمثلية حصولك مع البابا فرنسيس على جائزة نوبل؟ فأجاب: لو كان ذلك صحيحاً فقد حصلت على ما هو أهم من أى جائزة
لا أهتم بالترشيحات ولا أتخذ مواقف ولا أطرح آراء سعياً لاستحسان هذا أو استهجان ما ذلك.. ويكفينى أن أحمل ومعى أساتذتى وزملائى وتلاميذى داخل الأزهر الشريف أمانة العلم.. وهو تشريف وتقدير يفوق أى تقدير
لست ممن يشغلون أنفسهم بالجوائز أو يسعون إليها.. أنا رجل بسيط جداً.. وجائزتى التى أحبها هى كتاب وقطعة خبز وكوب شاى وجلسة هادئة أسفل شجرة فى منزل العائلة بصعيد مصر
يتحرج من الحديث عن عيد ميلاده الثمانين والاحتفاء الكبير به، يقول إنه لم يعتد ذلك فى حياته، ويستحى أن يحتفل بمناسبة شخصية وسط هذا الاضطراب الذى يسود أمته، مؤكداً أن هناك كثيراً من القضايا الأهم التى تستحق أن ينشغل بها الناس وتصرف من أجلها الطاقة.
حتى حين قلت أن هذا الاحتفاء كان عفوياً لم يرتب له أحد، بل على العكس شارك فيه أناس من كل مكان على وجه الأرض وعبر وسائل التواصل الاجتماعى، معبرين عن مشاعرهم الصادقة، ومنطلقين من مناسبة قد يراها شخصية إلى نقاشات أوسع حول قيم يمثلها، ومواقف يتمسك بها، وآمال تعلق عليه بوصفه إماماً للمسلمين فى وقت توجه فيه للإسلام والمسلمين أصابع اتهام مدفوعة – بقصد أو بدون – بتأثيرات سلبية سببتها الأفهام الغليظة والشاذة والمنحرفة، ومظالم ربما لم تتكرر فى التاريخ على أمة من الأمم.. مع هذا كله استمر رافضاً الاقتراب من الشخصى إلا نادراً مكتفيأ بما هو واجب فى تقديم الشكر للمهنئين، فى حين حاولت الانطلاق من الشخصى إلى العام، عبر محاور ربما تقترب من معظم ما يثار حول ومع الأزهر الشريف من قضايا.
تظل عنده القضية الفلسطينية جرحاً كبيراً ينزف فى القلب، خصوصاً مع الإبادة والعدوان الذى لم يرحم الأبرياء والضعفاء، لكنه جرح يبقى كمرآة كاشفة ضعف الأمة، وازدواجية الخطاب الحقوقى، وعجز النظام الدولى، وتداعى مواثيقه التى طالما شهرها فى وجه الشرق، ما يفتح الباب للسؤال عن علاقته بالغرب وانتقاداته الدائمة له من منظور أخلاقى.
ويبقى خطابه الإنسانى الواسع الذى يتعاطف مع المظلومين والضعفاء حول العالم أياً كانت ديانتهم ملمحاً أساسياً، لا يرفعه من موقع العربى المسلم الذى يشعر بالقلق والاضطراب، بسبب ما يقع عليه من مظالم ومحاولات لنزع الإنسانية، وإنما يرفعه من واقع شريعة لا تقر الظلم أياً كان مصدره، وأياً كانت هوية المظلوم؛ لأن قيمة الحياة متساوية بين كل البشر.. وهذا ما يجب أن يكون.
فى هذا التوقيت بينما طوى العالم صفحة العام 2025، وكتب الأسطر الأولى فى صفحة العام الجديد، تحتاج الإنسانية أن تتدبر أيامها، وأن تستوعب تجاربها، وتضمد جراحها، وتعترف بأعراض أمراضها، وفى مقدمتها الأطماع والصراعات والحروب والفتن وظلم الضعفاء، وفوق ذلك خطابات الكراهية المقيتة، والأفهام الغليظة، التى تحول الأديان إلى أدوات صراعات ووقود حروب، فى هذا التوقيت يصبح تلمس الحكمة فرض عين، وخصوصاً إن كانت من عقل مشغول بالإنسانية ومفرداتها، يرى حيوات الناس متساوية فى قيمتها أياً كانت معتقداتهم وألوانهم وأجناسهم، ويستوعب أسس عقيدته ومقاصدها وجذور تراثه الإنسانى الفريد، ولا ينعزل عن عصره ومفرداته وأدواته، وينظر إلى المستقبل نظرة العارف بحجم الخطر والتحدى، وقيمة ما تستحقه الأجيال الجديدة من حياة يسودها التعايش والإنصاف والعدالة.
بنظرة واسعة على الحالة الدينية والوطنية والإنسانية فى بداية عام جديد، تشرفت جريدة «صوت الأزهر» بمحاورة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، انطلاقاً من هم أمته، ومروراً بتحديات وطنه، وصولاً لرؤيته الإنسانية الواسعة



