اخبار مصرحول العالممنوعات

حوار العام .. هكذا تحدث الإمام الطيب لـ”صوت الأزهر”

حوار / أحمد الصاوي

حين بلغ الثمانين قال شاكراً: «الحمد لله الذى كفانى بحلاله عن حرامه وأغنانى بفضله عمن سواه»

الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف لـ«صوت الأزهر»:

غاية ما أطمح إليه فيما تبقَّى لى من العمر العونُ من الله لنصرة الضعيف والمظلوم أينما كان وأياً كان دينه أو اعتقاده

لم يتعرض شعب فى التاريخ لمثل ما يتعرض له الشعب الفلسطينى على مدار عقود طويلة وصلت ذروتها لإبادة جماعية شاهدها الجميع على الهواء مباشرة

لا يمكن بأى شكل من أشكال الإنصاف إغفال أهمية الدور المصرى عبر التاريخ فى دعم الشعب الفلسطينى وحقوقه والتمسك بها

الرئيس السيسى اختار إزاء العدوان على غزة الطريق الذى يليق بتاريخ مصر.. والدولة بقيادته تعاملت مع المسألة بـ«شرف بالغ» رغم الضغوط والإغراءات

لولا الموقف المصرى الصلب لكانت القضية الفلسطينية قد تمت تصفيتها تماماً وكذلك تصفية الشعب الفلسطينى وإخراجه من أرضه

علينا مسؤولية الدفاع عن قضية فلسطين.. وهذا موقف أزهرى ثابت لا ولم ولن يتغير حتى يحصل الشعب الفلسطينى على حقوقه الكاملة ويقيم دولته وعاصمتها القدس الشريف

الأمة العربية قادرة – إذا ما اتحدت وخلصت نواياها – على الوصول إلى حل لهذه القضية العادلة وإنقاذ هذا الشعب الأعزل من الفناء

الرئيس السيسى منذ يومه الأول كان همه الأساسى توحيد المصريين جميعاً.. ورأينا منه تقديراً كبيراً ودعماً متواصلاً لدور الأزهر ومكانته

الأزهر توَّج جهده فى تجديد الخطاب الدينى بمؤتمر عالمى برعاية الرئيس تصدى وبوضوح لحسم كل القضايا التى يستند إليها المتطرفون فى بناء منهجهم الضال

من يقولون إن الأزهر عرقل جهود تجديد الخطاب الدينى لم يقرأوا وثائقه المتعددة أو مقرراته الدراسية أو بياناته.. ولم يحضروا مؤتمراته ومنتدياته.. ولم يقرأوا صحيفة «صوت الأزهر»

لا نقدس التراث وإنما نقدره.. والأزهر يرفض كل من ينتظر أن ندير ظهرنا للتراث برُمَّته.. كما نرفض بالقوة ذاتها من يكتفون بالانكفاء عليه والاكتفاء به وإدارة الظهر لمنجزات العصر

تهنئة المسيحيين بالأعياد تنطلق من تعاليم ديننا الحنيف.. وهو تقليد نقوم به كل عيد دون غضاضة أو أى شعور بمخالفة تعاليم الإسلام

المساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات بين المواطنين جميعاً – مهما كانت عقائدهم – أصل فى الإسلام.. ولا يوجد فى القرآن ولا فى السنة النبوية ما يحرِّم بناء الكنائس.. والشريعة تساوى بين الدفاع عن المساجد والدفاع عن الكنائس ومعابد اليهود بالقدر نفسه

لسنا وحدنا فى هذا العالم.. والعلاقة بين الأمم والشعوب أساسها التعارف والتعاون وليس الصراع أو حمل الناس على الإسلام بالقوة أو الإساءة إلى أديانهم وعقائدهم

نعرف الفارق الكبير بين اليهودية كديانة سماوية وبين الصهيونية كحركة استيطان واحتلال عنصرية.. ونحرص دائماً على أن يكون خطابنا الدينى والعام مؤكداً هذه الفوارق ومُنبهاً عليها

لا يُعرف للأزهر ولا للمصريين قاطبةً أى موقف سلبى من اليهود.. فقد عاشوا بيننا فى سلام وأمان حتى ظهرت الحركة الصهيونية وأفسدت منطقتنا وزرعت الكراهية والحقد

الشيعة إخوة.. ولا يحتاجون إلى وثائق لتأكيد كونهم جزءاً عزيزاً من الأمة الإسلامية.. وأطلقنا «نداء أهل القبلة» لتعزيز وحدة عُلمائية فى الأمة الإسلامية

أعداء الأمة هم المستفيدون من أى شقاق بين الدول العربية.. ونعول كثيراً على حكمة الإخوة من القادة العرب وعلى الحكمة المصرية فى رأب الصدوع

خلال عامنا الجديد هذا نتطلع إلى تكرم الرئيس السيسى بافتتاح مكتبة الأزهر مع أخيه الشيخ محمد بن زايد الذى تكرم ودعم بناء المكتبة مشكوراً ومأجوراً

الرئيس السيسى وافق مشكوراً على رعاية مؤتمر الحوار الإسلامى – الإسلامى فى نسخته الجديدة المقرر انعقادها بالقاهرة فى إبريل المقبل

نثق فى إخلاص الرئيس السيسى للوطن ورغبته فى تحقيق الأفضل.. ونتابع جهداً كبيراً تبذله الحكومة وسائر المؤسسات.. والدولة لديها فرصة للحوار بين المختصين والخبراء لتحديد المشكلات وتقييمها والتكاتف للإسهام فى التصدى لحلها

وثيقة الأخوة الإنسانية هى الوثيقة الأهم فى التاريخ الإنسانى الحديث باعتراف الأمم المتحدة التى اعتمدت يوم توقيعها يوماً دولياً للأخوة الإنسانية

أخى الراحل البابا فرنسيس كان رجل دين حقيقياً وامتلك طاقة تسامح كبيرة.. وبهذه الطباع الشخصية نجحنا فى بناء صداقة وأخوة حقيقية

استقبل البابا «ليو» منذ بدء حبريته ابننا القاضى محمد عبد السلام ممثلاً عن شيخ الأزهر ومجلس حكماء المسلمين عدة مرات.. وهناك ترتيبات تجرى للقاءات قريبة مع قداسته

علاقاتنا بجميع قادة وزعماء الأديان فى العالم جيدة جداً.. ولا تقتصر على الكاثوليك.. ولدينا مبادرات مشتركة مع رئيس أساقفة كانتربرى وبطريرك القسطنطينية للكنيسة المسكونية والكنيسة الروسية

لدينا علاقة وطيدة مع أخى الحبيب البابا تواضروس بابا الإسكندرية وسائر زعماء الطوائف المسيحية فى مصر.. وجمعَنا «بيت العائلة» قبل أكثر من 15 عاماً بوصفه مؤسسة صارت نموذجاً يحتذى

أبواب الأزهر مفتوحة للمثقفين ولم توصد فى وجه أحد.. لكن هناك من يرغبون دائماً فى إثارة الجدل بصرف النظر عن منهج أى حوار وجديته

نستفيد من كل المفكرين الجادين فى تخصصاتهم مهما اختلفوا معنا.. لأنهم ينطلقون من اعتراف وتقدير واضح لدور الأزهر.. لكن كيف نحاور أناساً يقولون: «هذا الأزهر لا قيمة له ويجب ألا يكون له أى دور»!

ليس لدينا خطابان للداخل والخارج.. هذه مزاعم يبطلها الواقع العملى.. ووسائل الاتصالات الحديثة ما عادت تسمح بأى خطاب مزدوج

الأخوَّة الإنسانية لا تعنى مطلقاً الدعوة إلى إدماج الأديان فى دين واحد.. فمثل هذا النداء لا يقول به عاقل ولا يقبله مؤمن أياً كان دينه

سألناه: هل أعاق موقفك الداعم للقضية الفلسطينية والمناهض للصهيونية والمثلية حصولك مع البابا فرنسيس على جائزة نوبل؟ فأجاب: لو كان ذلك صحيحاً فقد حصلت على ما هو أهم من أى جائزة

لا أهتم بالترشيحات ولا أتخذ مواقف ولا أطرح آراء سعياً لاستحسان هذا أو استهجان ما ذلك.. ويكفينى أن أحمل ومعى أساتذتى وزملائى وتلاميذى داخل الأزهر الشريف أمانة العلم.. وهو تشريف وتقدير يفوق أى تقدير

لست ممن يشغلون أنفسهم بالجوائز أو يسعون إليها.. أنا رجل بسيط جداً.. وجائزتى التى أحبها هى كتاب وقطعة خبز وكوب شاى وجلسة هادئة أسفل شجرة فى منزل العائلة بصعيد مصر

يتحرج من الحديث عن عيد ميلاده الثمانين والاحتفاء الكبير به، يقول إنه لم يعتد ذلك فى حياته، ويستحى أن يحتفل بمناسبة شخصية وسط هذا الاضطراب الذى يسود أمته، مؤكداً أن هناك كثيراً من القضايا الأهم التى تستحق أن ينشغل بها الناس وتصرف من أجلها الطاقة.

حتى حين قلت أن هذا الاحتفاء كان عفوياً لم يرتب له أحد، بل على العكس شارك فيه أناس من كل مكان على وجه الأرض وعبر وسائل التواصل الاجتماعى، معبرين عن مشاعرهم الصادقة، ومنطلقين من مناسبة قد يراها شخصية إلى نقاشات أوسع حول قيم يمثلها، ومواقف يتمسك بها، وآمال تعلق عليه بوصفه إماماً للمسلمين فى وقت توجه فيه للإسلام والمسلمين أصابع اتهام مدفوعة – بقصد أو بدون – بتأثيرات سلبية سببتها الأفهام الغليظة والشاذة والمنحرفة، ومظالم ربما لم تتكرر فى التاريخ على أمة من الأمم.. مع هذا كله استمر رافضاً الاقتراب من الشخصى إلا نادراً مكتفيأ بما هو واجب فى تقديم الشكر للمهنئين، فى حين حاولت الانطلاق من الشخصى إلى العام، عبر محاور ربما تقترب من معظم ما يثار حول ومع الأزهر الشريف من قضايا.

تظل عنده القضية الفلسطينية جرحاً كبيراً ينزف فى القلب، خصوصاً مع الإبادة والعدوان الذى لم يرحم الأبرياء والضعفاء، لكنه جرح يبقى كمرآة كاشفة ضعف الأمة، وازدواجية الخطاب الحقوقى، وعجز النظام الدولى، وتداعى مواثيقه التى طالما شهرها فى وجه الشرق، ما يفتح الباب للسؤال عن علاقته بالغرب وانتقاداته الدائمة له من منظور أخلاقى.

ويبقى خطابه الإنسانى الواسع الذى يتعاطف مع المظلومين والضعفاء حول العالم أياً كانت ديانتهم ملمحاً أساسياً، لا يرفعه من موقع العربى المسلم الذى يشعر بالقلق والاضطراب، بسبب ما يقع عليه من مظالم ومحاولات لنزع الإنسانية، وإنما يرفعه من واقع شريعة لا تقر الظلم أياً كان مصدره، وأياً كانت هوية المظلوم؛ لأن قيمة الحياة متساوية بين كل البشر.. وهذا ما يجب أن يكون.

فى هذا التوقيت بينما طوى العالم صفحة العام 2025، وكتب الأسطر الأولى فى صفحة العام الجديد، تحتاج الإنسانية أن تتدبر أيامها، وأن تستوعب تجاربها، وتضمد جراحها، وتعترف بأعراض أمراضها، وفى مقدمتها الأطماع والصراعات والحروب والفتن وظلم الضعفاء، وفوق ذلك خطابات الكراهية المقيتة، والأفهام الغليظة، التى تحول الأديان إلى أدوات صراعات ووقود حروب، فى هذا التوقيت يصبح تلمس الحكمة فرض عين، وخصوصاً إن كانت من عقل مشغول بالإنسانية ومفرداتها، يرى حيوات الناس متساوية فى قيمتها أياً كانت معتقداتهم وألوانهم وأجناسهم، ويستوعب أسس عقيدته ومقاصدها وجذور تراثه الإنسانى الفريد، ولا ينعزل عن عصره ومفرداته وأدواته، وينظر إلى المستقبل نظرة العارف بحجم الخطر والتحدى، وقيمة ما تستحقه الأجيال الجديدة من حياة يسودها التعايش والإنصاف والعدالة.

بنظرة واسعة على الحالة الدينية والوطنية والإنسانية فى بداية عام جديد، تشرفت جريدة «صوت الأزهر» بمحاورة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، انطلاقاً من هم أمته، ومروراً بتحديات وطنه، وصولاً لرؤيته الإنسانية الواسعة

 

فى البداية كل عام وفضيلتكم بخير وعافية بمناسبة عيد ميلادكم الثمانين، وقد شهدنا هذا العام احتفاءً واسعاً بهذه المناسبة عبر وسائل التواصل الاجتماعى، لا فى مصر وحدها بل فى أرجاء العالم.
أشكركم، وأشكر كل من هنأ أو احتفى أو كتب كلمة، ولو كنت أستطيع أن أوجه لكل فرد شكراً شخصياً لفعلت، لكننى آمل أن تنوبوا عنى فى ذلك.. وقد تأثرت فعلاً بكل ما رأيته وقرأته، خصوصاً لمن دونوا منشورات من خارج مصر وبلغات مختلفة دون أن يربطهم بشخصى أى علاقة أو سابق معرفة، إلا توسمهم الخير فى هذا العبد الفقير، وأحمد الله على ظن الناس ونواياهم الحسنة تجاهى، وأرجو أن أكون عنده – سبحانه وتعالى – كما يظنون، وقد قلت فى أكثر من مناسبة إن حياتى كلها كانت لطفاً من الله تعالى، ومحبة الناس من جميل لطفه ورزقه سبحانه وتعالى؛ لأنها محبة صادقة، وزاد كريم فى الرحلة، وأثر واضح على صواب الطريق.
– قبل أيام قليلة أيضاً دخلت السنة الميلادية الجديدة ومعها احتفالات الإخوة المسيحيين بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وكعادتكم قمتم بزيارة المقر البابوى للكنيسة الأرثوذكسية ولقاء البابا تواضروس للتهنئة، لكن ورغم تلك الزيارت يكثر السِّجال والجدل حول العلاقة مع المصريين المسيحيين خصوصاً، والمسيحيين فى العالم كله، ويتصدر هذا السجال آراء متعددة حول عدم جواز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم الدينية، ومدى تأثير ذلك على الأجواء المفترضة فى تلك المناسبات؟
أحبُّ هنا أن أكرر تهنئة الإخوة المسيحيين فى مصر والعالم باختلاف طوائفهم بأعياد الميلاد، وهو تقليد نقوم به كل عام دون غضاضة، أو أى شعور بمخالفة تعاليم ديننا، ولا نفعل ذلك بوصفه إجراءً بروتوكولياً أو شكلياً؛ فالأزهر يعتز بالعلاقة التى تربط المصريين: مسلمين ومسيحيين، والتى تنبع من الفهم الصحيح للدين، وقلنا كثيراً إن التهنئة بالأعياد ليست من باب المجاملة أو الشكليات، وإنما هى تطبيق لفهم واع لتعاليم ديننا الحنيف.. والإعلام بجميع أنواعه هو المسئول عن فتح المجال لتلك الآراء الشاذة كل عام، وقد طالبنا مراراً بتجاهل تلك الآراء بعد أن فنَّدناها أكثر من مرة، لكن إغراء الأضواء يدفع البعض فى مواسم الأعياد إلى إعادة هذا السِّجال كل عام.
علاقة المسلمين والمسيحيين خصوصاً فى مصر هى علاقة الوحدة والإخاء، والأخوة التى تمثل الرباط المتين الذى يعوَّل عليه فى مواجهة الصعاب والتحديات، وعلينا أن نعلم أنه لا توجد فى القرآن أديان مختلفة، لكن توجد رسائل إلهية تعبِّر عن الدين الإلهى الواحد، وأن ثمة وحدة تربط نبى الإسلام محمداً، صلى الله عليه وسلم، بمن سبقه من الأنبياء، وهى الأخوة، والجميع يعرف قول النبى صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الدنيا والآخرة، ليس بينى وبينه نبى، والأنبياء أولاد عَلَّات؛ أمهاتهم شتى، ودينهم واحد».
بم تفسرون فضيلتَكم إصرار البعض على تصدير تلك الآراء والفتاوى فى مثل هذه المناسبات وكأنها جزء من الشريعة أو الفكر الإسلامى؟
قلت أكثر من مرة إن هذا فكر متشدد لا يمتُّ للإسلام بصلة، وإن «مصر» – وبتأثير من الأزهر الشريف- لم تكن تعرف هذا الفكر قبل سبعينات القرن الماضى؛ ولكن حدث – منذ هذه السبعينات- اختراقات للمجتمع المصرى نالت من المسلمين والمسيحيين معاً، وهيَّأت الأرض لظهور الفتنة الطائفية، وتبع هذا انهيار التعليم الحقيقى، وتشوُّش الخطاب الإسلامى الصحيح، وأصبح الحديث عن الدين أسِيرَ مظهريات وشكليات وتوجُّهات، وكنا نرى عشرات القنوات الفضائية تبث خطاباً إسلامياً دون أن يتحدث القائمون عليها فى قضية واحدة ذات أهمية أو تستند إلى علم، ولم نسمع مناقشة جادة عن قضية المواطنة مثلاً، أو ما هى فلسفة الإسلام فى التعامل مع الآخر، وبخاصة المسيحيون، والسبب فى ذلك أن معظم المتحدثين غير مؤهَّلين، وليسوا على علم بما يتحدثون فيه، وكانوا يسعون إلى نشر مذاهب يريدون من خلالها تحويل المسلمين إلى ما يمكن أن نسميه «شكليات فارغة من جوهر الإسلام الحقيقى»، وفى محاولة لصناعة ما يمكن تسميته بــ«كهنوت إسلامى جديد».
ومن يحرِّم تهنئة المسيحيين بأعيادهم يصطدم -على نحو مباشر بتشريعات الإسلام- فى التعامل مع الآخر، وبخاصة مع المسيحيين، يقول سبحانه وتعالى فى شأن أتباع المسيح عليه السلام: «وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً» [الحديد: 27]. ويقول علماء التفسير فى هذه الآية: إن المسيحيين أهل رأفة ورحمة، وإنهم لا يحملون ضغينة، وإن هذه الصفات مستمرة فيهم إلى يوم القيامة، وهذا الكلام مسطور فى أمهات الكتب التى يدرِّسها الأزهر لطلابه.
البعض يروِّج أن ما يقوله فضيلة الإمام ربما تفرضه مواءمات المنصب والسياسة ولا أثر لها فيما يتعلَّمه طلاب الأزهر؟ 
على هؤلاء أن يقرأوا مناهج الأزهر أولاً، والدروس التى يدرسها الطلاب الصِّغار الذين نعلِّمهم المواطنة الكاملة باعتبارها «أصلاً» فى الإسلام يقوم على المساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات، ونعلِّمهم أن الأصل فى العلاقة مع غير المسلمين هو البر والإنصاف والتعارف والتعاون، وليس أبداً علاقة صراع، أو حَمْل الناس على الإسلام بالقوة، أو الإساءة إلى أديانهم وعقائدهم، ونعلِّمهم حق المسيحيين فى بناء كنائسهم وعدم وجود أى موانع شرعية فى الكتاب والسُّنة تمنع ذلك، بل وحق كنائس المسيحيين ومعابدهم فى أن يدافع عنها المسلمون كما يدافعون عن مساجدهم.. ولك أن تقرأ فى ذلك قوله تعالى فى سورة الحج: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» [الحج: 40]، وضعنا ذلك وأكثر فى مناهجنا ووثائقنا وخطاباتنا، فكيف يمكن لمنصف أن يقول إنها خطابات بروتوكولية أو دعائية.
كيف يمكن التنبُّه إلى خطورة الاستغراق فى خطابات طائفية تستهدف بالتحديد العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى مصر؟ 
بفضح الأهداف الخبيثة لتلك المحاولات المدفوعة والمستغلَّة من جهات مختلفة كلها معادية لاستقرار المجتمع المصرى؛ حيث نجحت فى إدخال أنماط شاذة من التفكير خلت من حكمة الشريعة ومقاصدها العليا فى التعامل مع أهل الأديان الأخرى، فانحرفت بالإسلام عن سماحته، وبالفكر الإسلامى عن وضوحه ونقائه، حتى رأينا ظواهر غير مألوفة ولا مقبولة فى معاملة غير المسلمين.
ومن طبيعة هذه المعاملات السيئة أن تتسبَّب فى حدوث فتن وانقسامات واضطرابات بين أبناء الوطن الواحد، وما تلك الفتاوى الخاطئة والمغلوطة التى تمنع المسلم من أن يهنئ جاره أو صديقه المواطن المسيحى، وتحظر عليه أن يشاركه فرحه، أو يعزيه فى مصابه، إلا أداة من أدوات تفتيت المجتمعات وضرب استقرارها فى مقتل.

– ما النصيحة التى تقدمونها للشباب خصوصاً الأزهرى للتصدى لمثل هذه الأفكار المغلوطة؟

أولاً: ألا يعتقدوا أن مثل هذه الفتاوى جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة؛ فالحقيقة عكس ذلك، وعليهم أن يصرفوا عنايتهم وتركيزهم لحُسن المعاملة مع أصدقائهم من المسلمين وغير المسلمين، وأن يحترسوا أشد الاحتراس من أى فكر يدعوهم إلى الإساءة للمسيحيين، أو إلى تكفير المسلمين، أو كراهية الوطن وقادته وجيشه وقوات أمنه؛ فكل هذه الأفكار هى أفكار خارجة عن هَدْى الإسلام وهَدْى رسوله، صلى الله عليه وسلم، وأحكام شريعته التى أمرت المسلم بالإحسان إلى أخيه المسلم، أياً كان مذهبه فى الفقه أو العقيدة، كما أمرته بالبر والعدل المطلق مع المسالمين من غير المسلمين، أياً كان دينهم، وأياً كانت عقيدتهم.

– نعرف أن قلب فضيلتكم مشغول بالأبرياء فى غزة الذين يواجهون حالياً البرد القارس فى هذا الشتاء الصَّعب، بعد إبادة جماعية مكتملة الأركان استمرت عامين متصلين من التقتيل والتنكيل.. وجَّهتم نداءً عالمياً لإنقاذهم تصدرته جملة: «إما تضامن حقيقى لإنقاذهم، وإما مشاركة فى تعميق آلامهم وجراحهم».. هل ترى الصامت عن التضامن مع هؤلاء الأبرياء شريكاً فيما يحيق بهم من جرائم ومآسٍ؟

يجب أن نفرق بين فئتين من الصامتين: فئة ليس فى يدها ولا فى طاقتها شىء يمكن أن تقدمه لتخفيف ويلات هذه الحروب التى دخلت عامها الثالث، وهى الشعوب التى خرجت فى كل ميادين العالم لتعبِّر عن رفضها لهذا العدوان الظالم الذى يستهدف إبادة الشعب الفلسطينى وإجباره على ترك أرضه وهجران وطنه، وهؤلاء عُذرهم واضح، ويكفيهم أضعف الإيمان، وهو: إنكار الظلم والعدوان.. أما الفئة الثانية من الصامتين فهى الفئة الداعمة -فى صمت- سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، وأكثر هؤلاء من الدول الغربية، ومن أعداء العروبة والإسلام، ويتحملون المسئولية الإنسانية والتاريخية كاملة مع شركائهم المجاهرين بالعدوان والظلم والهازئين بحُرمة الإنسان ودمه وحقه فى العيش على أرضه وفى وطنه؛ فلم يتعرَّض شعب فى التاريخ لمثل ما يتعرَّض له الشعب الفلسطينى على مدار عقود طويلة وصلت ذروتها لإبادة جماعية شاهدها الجميع على الهواء مباشرة، وصنعت فرزاً إنسانياً حقيقياً بين الشعوب الحرة والحكومات الداعمة لجرائم الاحتلال.
– نداءاتكم المتكررة طوال العامين الماضيين جعلت فضيلتكم صوت الضمير للقضية الفلسطينية، لكن البعض تساءل عن الحاجة لأن يبذل الأزهر ما هو أكثر من البيان.
الأزهر مؤسسة إسلامية علمية تعليمية فى المقام الأول، ثم هى معنية بقضايا الأمة، ووسيلة الأزهر فى التعبير عن مواقفه هى البيان بالحكمة والموعظة الحسنة، ونحن لسنا مؤسسة سياسية ولا نتدخل فى الشئون السياسية، ولا نملك إلا الضغط الإنسانى والأخلاقى مع الأطراف المختلفة، ونقول كلمتنا بوضوح ودون مواءمات، ونعبر عن كل ذلك فيما نقوم به من أدوات عبر تنظيم لقوافل الإغاثة أو دعم للطلاب الفلسطينيين، أو تنظيم للمؤتمرات التى تجعل القضية حاضرة فى وعى الأجيال، وكذلك الحوار مع جميع الوفود والمسئولين فى الخارج، أو ممن يزورون الأزهر الشريف؛ من أجل خلق رأى عام مساند للقضية الفلسطينية وداعم لعدالتها، ومقر بحقوق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
– تحدَّثتم أن الأزهر بعيد عن الشئون السياسية، لكن البعض يعتقد أن أداء الأزهر فى القضية الفلسطينية يعد تدخلاً فى السياسة الدولية؟
فلسطين قضية مركزية لأمتينا: العربية والإسلامية، والأزهر جزء من هذه الأمة، وطوال تاريخه الذى تجاوز الألف وثمانين عاماً، كان ضمير هذه الأمة، فضلاً عن عدالة هذه القضية، وتذكير الأزهر بأهميتها هو ممارسة لدوره بوصفه مؤسسة عربية وإسلامية فى الدفاع عن مقدسات عربية وإسلامية، والدفاع عن المستضعفين فى مواجهة حالة غير مسبوقة من الظلم والبطش، وفى ظل عجز دولى حتى عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة.
نتشرف دائماً وأبداً بالدفاع عن فلسطين وشعبها، وهذا موقف أزهرى ثابت لا ولم ولن يتغير حتى يحصل الشعب الفلسطينى على حقوقه الكاملة ويقيم دولته وعاصمتها القدس الشريف.
والأمة العربية قادرة – إذا ما اتحدت وخلَصتْ نواياها- على الوصول إلى حل لهذه القضية العادلة وإنقاذ هذا الشعب الأعزل من الفناء.
– هل يؤدى موقف الأزهر من القضية الفلسطينية إلى اتخاذه موقفاً سلبياً من اليهود؟
نحن على وعى تام ومعرفة عميقة بالفارق البعيد بين اليهودية كديانة سماوية وبين الصهيونية كحركة استيطان واحتلال عنصرية، نحن ضد الصهيونية ولسنا ضد اليهود، وأنا ألتقى هنا فى مكتبى رجال دين وشخصيات عامة يهودية مُنْصِفة ممن يرفضون الصهيونية ويقفون مع حقوق الشعب الفلسطينى، وقد شارك بعضهم فى العديد من المؤتمرات التى أقمناها أو التى نشارك فيها، وأنا لا أتحرَّج من لقاء أى يهودى منصف لا يدعم الاحتلال، أو يرضى بقتل الأبرياء، ونحن هنا فى مصر لا يُعرف للأزهر ولا للمصريين قاطبةً أىُّ موقف سلبى من اليهود؛ فقد عاشوا بيننا فى سلام وأمان، حتى ظهرت الحركة الصهيونية وأفسدت منطقتنا وزرعت الكراهية والحقد، ورغم ذلك نحرص دائماً على أن يكون خطابنا الدينى والعام مؤكداً هذه الفوارق ومُنبهاً عليها.
– فى ضوء ما جرى فى العامين الماضيين.. كيف تقيِّمون الدور المصرى فى دعم القضية الفلسطينية؟
لا يمكن بأى شكل من أشكال الإنصاف إغفال أهمية الدور المصرى، أو التهوين من شأنه فى دعم الشعب الفلسطينى وحقوقه والتمسك بها، ونحن ننتهز هذه الفرصة لنؤكد أهمية دور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصياً، ومعه المؤسسات الوطنية، فى صدِّ أكبر خطر واجهته القضية الفلسطينية منذ النــكبة.
كان المخطط هو تهجير الفلسطينيين من القطاع والاستيلاء على الأرض، وقد ظنَّ من خططوا لذلك أن مصر يمكن أن تقبل بالتواطؤ فى تنفيذ هذا المخطط، غير أن الأيام – وحدها- أثبتت أن الرئيس السيسى ومعه الدولة المصرية تعاملا مع المسألة بشرف بالغ، وأنا أدرك جيداً حجم الضغوط التى تعرَّض لها سيادته للقبول بهذا المخطط، وحجم الإغراءات التى وُضعت على الطاولة لبلد يمر بأزمة اقتصادية يعانى منها جميع المواطنين، وكيف أنه اختار الطريق الذى يليق بتاريخ مصر، وبقائد مصرى ساند قضية العرب والمسلمين الأولى بشرف وصمود، وقد كان لهذه السياسة المسئولة عظيم الأثر، لا أقول فى قلوب وعقول المصريين فقط، بل فى وعى الشعوب العربية والإسلامية وكل المؤمنين بحق الإنسان فى العيش بسلام وأمان، ورأوا فى هذا الموقف المصرى الشجاع دعماً حقيقياً لحقوق الشعب الفلسطينى، وقد شعرنا بامتنان من الشعب الفلسطينى نفسه تجاه هذا الموقف المصرى.
ولك أن تتخيل مصير القضية الفلسطينية وما ستؤول إليه – بالضرورة- من تصفية نهائية، ومن إخراج للفلسطينيين من أرضهم وشتاتهم وتوزيعهم على أرض لا يعرفونها، لو لم يكن هذا هو الموقف المصرى الذى اعتصم به الرئيس والوطن من خلفه، وأعلنه منذ اللحظات الأولى من عمر هذه المؤامرة.

حاول البعض الإيحاء بوجود عدم انسجام بين الأزهر ومؤسسات الدولة خلال الأعوام الأخيرة.. كيف كنت ترى تلك المحاولات؟ 

هذه المحاولات وأشباهها هى مما روَّجه البعض ونفخ على ناره، وهى جزءٌ من محاولات تفتيت هذا الوطن من الداخل، والحق يقال: إن الرئيس السيسى يبذل كل جهده لتوحيد الشعب المصرى، وإعادة بناء الوطن على أسس من الاحترام المتبادل، وقد رأينا منه تقديراً متواصلاً لدور الأزهر ومكانته العالمية، سواء فى رعاية مؤتمراته– مثل مؤتمر المواطنة ومؤتمر الأزهر لنصرة القدس.. وغيرهما- أو دعم مشروعاته أو الحفاظ على اختصاصاته، وبينما خاضت الدولة المصرية برئاسة الرئيس السيسى حرباً ضروساً على الإرهاب كان الأزهر حاضراً بقوة فى الميدان الفكرى من ميادين تلك المعركة، كما كان الأزهر على قدر المسئولية عبر تعاون كبير بين كل مؤسسات الدولة، وقد دعم الرئيس الأزهر الشريف فى كثير من المواقف الكبرى حتى من قبل أن يصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى